أولاً: المولد والنشأة والمسيرة العلمية
هو أبو الفضل شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي، المشهور بلقب زروق، وهو لقب ورثه عن جده الذي كان أزرق العينين. وُلد بمدينة فاس بالمغرب الأقصى في شهر محرم سنة 846هـ الموافق تقريباً 1442م.
وتذكر كتب التراجم أنه فقد والدته بعد ولادته بأيام قليلة، ثم توفي والده بعدها، كما كان جدّه قد توفي قبل مولده بأيام، وذلك في فترة انتشر فيها الطاعون بمدينة فاس. فتولت تربيته جدته لأمه، المعروفة بالصلاح والفقه، والتي كان لها أثر بالغ في توجيهه المبكر نحو العلم والتقوى.
حفظ القرآن في سن مبكرة، والتحق بجامع القرويين والمدارس العلمية بفاس، فدرس الفقه المالكي، والحديث، والأصول، واللغة العربية. وكان يعتمد على نفسه في معيشته، إذ تعلم صناعة الخرازة (صناعة الأحذية)، فكان مثالاً للعالم العامل الزاهد.
تلقى العلم عن كبار شيوخ عصره، من أبرزهم: أبو عبد الله القوري، محمد الزيتوني (شيخه في السلوك والتربية (، الحافظ السخاوي في مصر.
ويمثل الإمام زروق نموذج الفقيه الصوفي الذي جمع بين العلم الشرعي والتزكية الروحية، في إطار التصوف السني القائم على الالتزام بالكتاب والسنة.
ثانياً: الرحلات والهجرة إلى مصراتة
رحل الإمام زروق إلى المشرق سنة 873هـ لأداء فريضة الحج وطلب العلم، فزار تونس وليبيا ومصر، وأقام بالقاهرة مدة، ودرس بالأزهر، وحظي بتقدير علمائها.
وبعد عودته إلى المغرب، واجه مضايقات وخلافات علمية، فاختار الهجرة النهائية، واستقر بمدينة مصراتة بليبيا سنة 886هـ تقريباً، حيث وجد بيئة علمية هادئة، فأنشأ زاويته المشهورة، وتزوج من أهلها، وصارت مصراتة مركز إشعاع علمي وروحي بفضله.
توفي الإمام زروق في مصراتة يوم 18 صفر سنة 899هـ، ودفن في ضريحه المعروف إلى اليوم.
ثالثاً: منهجه الفكري والإصلاحي
1 . الجمع بين الشريعة والحقيقة
من أشهر أقواله: "لا تصوف إلا بفقه، ولا فقه إلا بتصوف." وكان يرى أن: الفقه لإصلاح الظاهر، والتصوف لإصلاح الباطن، ولا غنى لأحدهما عن الآخر.
2 . محاربة الانحرافات
اشتهر بلقب "محتسب العلماء والأولياء"، لأنه انتقد مظاهر الانحراف في بعض طرق التصوف، مثل:
- ادعاء سقوط التكاليف،
- استغلال الدين لجمع المال،
- السلوكيات الخارجة عن هدي السنة.
كما كان يتحفظ على بعض عبارات التصوف الفلسفي الغامضة، ويدعو إلى عدم تداولها بين العامة، حمايةً للعقيدة.
3 . أصول الطريقة الزروقية
تقوم طريقته على خمسة أصول جامعة:
- تقوى الله في السر والعلانية.
- اتباع السنة قولاً وعملاً.
- الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار.
- الرضا عن الله في القليل والكثير.
- الرجوع إلى الله في السراء والضراء.
رابعاً: مؤلفاته
تجاوزت مؤلفات الإمام زروق الستين كتاباً ورسالة في الفقه والتصوف والحديث والسلوك. من أشهر كتبه المطبوعة:
- قواعد التصوف
- شرح الحكم العطائية
- إعانة المتوجه المسكين إلى طريق الفتح والتمكين
- النصيحة الكافية لمن خصه الله بالعافية
- تعليق على رسالة ابن أبي زيد القيرواني
مخطوطاته
توجد مخطوطاته في مكتبات عالمية كبرى، منها:
- مكتبات السليمانية بتركيا،
- الإسكوريال بإسبانيا،
- مكتبات الرباط وتونس،
- المكتبة البريطانية وبرلين.
الإمام زروق في عيون الباحثين
يوصف الإمام زروق بأنه:
- الفقيه الصوفي
- مصلح التصوف في القرن التاسع الهجري
- جسر علمي بين المشرق والمغرب
- المهاجر إلى الله طلباً للسكينة ونشر العلم
وقد ترك أثراً بالغاً في الفكر الإسلامي بالمغرب وليبيا ومصر، ولا تزال طريقته ومؤلفاته مرجعاً أساسياً في التصوف السني الرشيد.