مدخل تاريخي
نشأت مكتبة الإمام أحمد زروق الأهلية في سياق علمي وتاريخي ممتد، ارتبط منذ بداياته الأولى بحركة العلم والعلماء في مدينة مصراتة، وشهدت عبر مراحلها المختلفة تطورًا ملحوظًا، تأثر بالظروف التاريخية، وبجهود العلماء والغيورين على العلم والمعرفة.
مرحلة التأسيس الأولى
ترتبط نشأة مكتبة الإمام أحمد زروق الأهلية بتاريخ استقرار الشيخ أحمد زروق بمدينة مصراتة سنة 886هـ، الموافق تقريبًا 1438م، وهو التاريخ الذي يُعدّ بداية التأسيس الفعلي للمكتبة؛ ذلك أن الثابت في كتب تراجم العلماء –وهو مما يُعلم بالضرورة– أن كل مشتغل بالعلم لا ينفكّ عن امتلاك مكتبة، صغرت أو كبرت، تصحبه حيثما حلّ وارتحل؛ إذ لم يكن علماؤنا الأوائل ينقطعون عن التحصيل والبحث حتى في أسفارهم، فكانت كتبهم وأدوات كتابتهم رفيقة دربهم في الحلّ والترحال.
وعليه، فإن قدوم الشيخ أحمد زروق إلى مصراتة عازمًا على الإقامة والاستقرار كان مصحوبًا بمكتبته الخاصة، ومن هنا كان ارتباط تاريخ تأسيس مكتبة الشيخ بتاريخ استقراره بالمدينة. وقد وثّق هذه الحقيقة الدكتور مصطفى عبد الرحيم أبوعجيلة –رحمه الله– في كتابه الشيخ أحمد زروق محتسب العلماء ومجدّد القرن العاشر الهجري، حيث قال (ص271): "هذا التراث –ويقصد به الكتب التي كانت بحوزة الشيخ أحمد زروق– هو نواة مكتبة الزروق منذ سنة 886هـ".
كما قال في الموضع نفسه (ص272): "إن الشيخ أحمد زروق عندما وصل إلى هنا وضع كتبه التي كانت معه في جابية –وهي التي عُرفت فيما بعد بروضة الشيخ– فكانت تلك الجابية أول مكان لمكتبة الشيخ أحمد زروق". وأكد –رحمه الله– في مطلع الصفحة نفسها أن: "تاريخ هذه المكتبة موثَّق بأوثق المصادر التاريخية".
غير أن هذه المكتبة القديمة لم تسلم من عوادي الزمن، فقد ضاعت محتوياتها لأسباب عدة، من أبرزها الاحتلال الأجنبي للبلاد، ويُستدل على ذلك بوجود عدد من مخطوطات الشيخ أحمد زروق اليوم في بعض المتاحف والمكتبات الإيطالية والإنجليزية.
وللأمانة العلمية، فقد سمع كاتب هذه المادة والده الدكتور مصطفى أبوعجيلة –رحمه الله– يتحدث في هذا الشأن، حيث ذكر أنه استشار محاميًا مختصًا بالقانون الدولي –يُرجَّح أنه الأستاذ رمضان بن زير– حول إمكانية المطالبة باسترداد تلك المخطوطات، فأفاده بأن المطالبة ممكنة متى وُجد الدليل القاطع، وإلا فإنها قد تُفضي إلى مقاضاة ومغارم مالية جسيمة.
وقد تناول الدكتور مصطفى أبوعجيلة –رحمه الله– مسألة ضياع المكتبة الأولى في كتابه المذكور (ص273) بقوله: "غير أنها لم تسلم من عوادي الزمن، فأصابها من الإهمال الشيء الكثير، وضاعت محتوياتها، وربما صدق عليها قول الهواري حين سُئل عما أضاع كتب خزانة جامع الزيتونة فقال: المطر وأيدي البشر". كما قال –رحمه الله–: "أعترف أني لم أشاهد مكتبة الزروق القديمة؛ لأنه لم تكن هناك مكتبة في واقع الأمر، إلَّا بعض كتب كانت موجودة في خلوة الفقهاء".
وتحدث أيضًا عن مصير كتب المكتبة القديمة (ص276) قائلًا: "لقد بلغني أنه قبيل الغزو الإيطالي لمصراتة، وخوفًا من وقوع الكتب في أيدي الغزاة، رأى المشرفون على المكتبة إخفاء بعضها في أماكن متعددة وتوزيعها على أشخاص، إلا أن ما أُخذ لم يرجع، وما بقي أخذه الطليان –إن صحت الرواية– وبذلك انتهى عهد المكتبة القديمة".
مرحلة التأسيس الثانية وتطوير المكتبة
قال رسول الله ﷺ: "إِنَّمَا يَعْرِفُ الْفَضْلَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ ذَوُو الْفَضْلِ"، وقال ﷺ: "لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ".
بدأت النشأة الجديدة لمكتبة الإمام أحمد زروق الأهلية سنة 1976م على يد الشيخ الدكتور مصطفى عبد الرحيم أبوعجيلة، وهو أمر معروف ومشهور لدى رواد المكتبة ومن عاصروا تلك المرحلة؛ إذ كان –رحمه الله– صاحب الفكرة، وحامل همّ إحيائها، والساعي لتحقيقها.
وقد قال –رحمه الله– في بعض مذكراته (مخطوط) بخط يده وتوقيعه: "... والذي أحمد الله عليه أكثر من غيره أنني المؤسس لمكتبة سيدي أحمد زروق – وأذكر هذا اعترافًا بالفضل وحفزًا للشباب ولمحبّي الخير ألَّا يُحْجِمُوا عن القيام بالأعمال الخيرية أيًّا كان مجالها".
وجاءت هذه النشأة متزامنة مع مشروع تجديد بناء مسجد وزاوية الشيخ أحمد زروق، بعد أن وهن بناؤهما، حيث شُكّلت لجنة من عشرة رجال للإشراف على عملية التجديد، وكان الدكتور مصطفى أبوعجيلة أحد أعضائها، وهم –بحسب ما ورد ذكرهم وترتيبهم في كتاب الومضات–:
- مصطفى عبد الرحيم أبوعجيلة (من الزروق)
- علي أحمد عثمان الشريف (من الزروق)
- عبد السلام محمد علي أبوزقية (من الزروق)
- عبد الحميد محمد علي العويب (من الزروق)
- عثمان محمد المدني المسيميط (من الزروق)
- الحسين محمد سويطي (من الزروق)
- عبد الله علي شابا (من السواطي)
- محمد عمر خليل (من السواطي)
- محمد عمر الرعيض (من الرعيضات)
- محمد علي بن إسماعيل (من الأسواك)
وقد تولّت هذه اللجنة الإشراف والمتابعة والتنسيق مع المهندسين المكلّفين من أوقاف طرابلس، وكان لهم فضل الصبر والمثابرة حتى تم إنجاز المشروع. وفي خضم هذا العمل، وجد الشيخ الدكتور مصطفى أبوعجيلة –رحمه الله– في تجديد البناء فرصة سانحة لتحقيق هدفه النبيل في إحياء مكتبة الإمام أحمد زروق، فعرض الفكرة على زملائه في اللجنة، فرحّب بها معظمهم، ثم عُرضت على المهندسين، فخُصّص جزء من الطابق العلوي –خلف مصلى النساء– ليكون مقرًا للمكتبة.
دور الشيخ الدكتور مصطفى أبو عجيلة في تأسيس المكتبة واستمرارها
كان افتتاح المكتبة في نشأتها الثانية مقرونًا بافتتاح المسجد المجدّد سنة 1976م، ويقول الدكتور مصطفى أبوعجيلة –رحمه الله– في كتابه ومضات من تاريخ الفكر والثقافة في ليبيا (2/372): "منذ ذلك الوقت شرعت –وأقول شرعتُ رغم ما في الكلمة من أنانية– في العمل من أجل تجهيز المكتبة بالأرفف والمعدات، واتصلت بعدة جهات، فاستجاب المرحوم الأستاذ محمد النوال بصفته مديرًا للتعليم، وتمَّ تجهيز المكتبة بالفعل، ومنذ ذلك التاريخ شرعنا في تغذيتها بالكتب إلى اليوم بحمد الله".
ونظرًا للنمو السريع للمكتبة، وتضافر جهود المحسنين من داخل مصراتة وخارجها، ودعم بعض مؤسسات المجتمع المدني، ضاق المبنى الأول بمحتوياته، فشُيّد لها مبنى مستقل مكوَّن من طابقين، افتُتح في شهر يونيو 2003م، بإشراف جهاز تطوير المدن برئاسة الأستاذ علي الدبيبة.
ومع استمرار النمو، ضاق هذا المبنى بدوره خلال عشر سنوات، نتيجة الإخلاص في العمل، ومكانة العلم في قلوب الليبيين، وتفاعلهم الصادق في خدمته. وقد قال الدكتور –رحمه الله–: "ضاق مبناها على محتوياتها في أقل من ربع قرن وهو نمو فوق العادة ولا أعلم له مثيلًا...".
وقد ظلّ الشيخ الدكتور مصطفى أبوعجيلة –رحمه الله– مرابطًا على خدمة المكتبة، مواظبًا على اقتناء الكتب، وحضور معارضها داخل ليبيا وخارجها، حتى أصبحت المكتبة صرحًا علميًا يضم قرابة مائة ألف كتاب في شتى العلوم والمعارف، وذاع صيتها داخل ليبيا وخارجها، ووصلت خدماتها إلى الحجاز، ومصر، والمغرب، واليمن، وغيرها.
لقد وهب الشيخ الدكتور مصطفى أبوعجيلة –رحمه الله– حياته لهذه المكتبة، وظلّ مشغولًا بأمورها إلى آخر يوم في حياته، حريصًا على تطويرها وتوسعتها، وقد تيسّرت أمور إضافة الطابق الثالث سنة 2025م، والعمل جارٍ حاليًا في توسعة المبنى وصيانته وتجديد مرافقه، بفضل الله ثم بجهود الخيرين من أبناء المجتمع والمؤسسات الداعمة للعلم والتراث.
أنشطة المكتبة وجهودها العلمي
1. المهمة الرئيسية: خدمة البحث العلمي وطلابه
تتمثّل المهمة الرئيسة لمكتبة الإمام أحمد زروق الأهلية في خدمة البحث العلمي وطلابه، ويتجلّى ذلك في عدة جوانب أساسية، من أبرزها:
1/1- توفير الكتاب وسهولة تناوله
تعمل المكتبة على توفير الكتب والمراجع العلمية، وتيسير الوصول إليها للباحثين وطلبة العلم، ويكفي للدلالة على ذلك أن عدد روّاد المكتبة من خارج مدينة مصراتة يكاد يعادل عدد روّادها من داخلها؛ لما يجدونه فيها من مصادر ومراجع يفتقدونها في غيرها من المكتبات.
2/1- الإسهام في تهيئة البيئة العلمية لإنشاء جامعة مصراتة
أسهم وجود مكتبة الإمام أحمد زروق إسهامًا مباشرًا في تهيئة البيئة العلمية اللازمة لإنشاء جامعة مصراتة؛ إذ لا يخفى أن من أهم متطلبات الدراسة الجامعية توفر مصادر ومراجع البحوث العلمية في مختلف التخصصات، وهو ما وفرته المكتبة قبل التفكير في إنشاء الجامعة بسنين، وبذلك قدّمت المكتبة لمدينة مصراتة خدمة علمية جليلة في معالجة إحدى أهم الإشكالات الأكاديمية.
3/1- دعم برامج الدراسات العليا
عندما عزمت جامعة مصراتة على البدء في برامج الدراسات العليا (الماجستير سابقًا، ثم الدكتوراه لاحقًا)، حضرت لجنة الجودة من طرابلس للتحقق من توفر الإمكانيات والمعطيات اللازمة، وكان من أهم الأسئلة المطروحة: هل تتوفر المصادر والمراجع العلمية الكافية؟
وبناءً على ذلك، تواصل بعض أساتذة الجامعة مع مكتبة الإمام أحمد زروق لهذا الغرض، وتم بالفعل حضور لجنة الجودة إلى المكتبة، حيث أبدت إعجابها بما تحتويه من مصادر ومراجع علمية، وقامت بتدوين شهادتها في السجل المخصص لذلك بالمكتبة. وقد وقع هذا الحدث في بداية عام 2023م، وهو مما شهده كاتب هذه المادة بنفسه.
2- التشجيع على القراءة
اضطلعت المكتبة بدور فعّال في تشجيع القراءة الحرة، حيث نظّمت مسابقات متعددة في هذا المجال، وقد تميّزت هذه المسابقات بنجاحها الكبير من حيث حجم المشاركة والنتائج.
ومن أبرز تلك المسابقات دورة اشترك فيها ما يقرب من ستمائة طالب وطالبة، قُرِئَ خلالها نحو ثلاثين ألف كتاب، تراوحت أحجامها بين ثلاثين ومائة صفحة، واستمرت مدة ستين يومًا متواصلة، وهو إنجاز يعكس حجم الإقبال على القراءة ودور المكتبة في ترسيخ ثقافتها.
3- التشجيع على حفظ المتون العلمية
سعت المكتبة إلى تشجيع حفظ المتون العلمية، ومن ذلك تنظيم مسابقة مكتبة زروق في النحو العربي، التي أُقيمت بمناسبة مرور 833 سنة على ميلاد ابن مالك صاحب الألفية المشهورة. وكان موضوع المسابقة: حفظ النصف الأول من ألفية ابن مالك. وقد منحت المكتبة المتسابقين عامًا كاملًا للإعداد، حيث أُعلن عن المسابقة في شهر أبريل 2012م، وأُقيمت في شهر أبريل 2013م، وذلك تمكينًا لهم من تحقيق الهدف المنشود، وكانت قيمة الجائزة للفائز الأول ألف دينار.
4- تهيئة البيئة العلمية لإلقاء المحاضرات
قامت المكتبة بتهيئة فضاء علمي مناسب لإلقاء المحاضرات، ويشمل ذلك عددًا من محاضرات أساتذة الجامعة لطلابهم، وبخاصة أساتذة وطلبة كلية الدراسات الإسلامية، مما جعل المكتبة جزءًا فاعلًا من العملية التعليمية خارج القاعات الجامعية الرسمية.
5- إقامة الندوات الفكرية والثقافية
حرصت مكتبة الإمام أحمد زروق على إقامة الندوات الفكرية والثقافية، لا سيّما في المواسم الدينية والقومية، مع عناية خاصة بالإعداد والتنظيم. ومن أبرز ذلك الندوات التي أُقيمت في شهر رمضان المبارك، حيث شارك في إحدى تلك المواسم ثمانية من الدكاترة، وقد توزعت المحاضرات على أيام الشهر، وشارك فيها أساتذة من طرابلس وزليتن ومصراتة. كما أحيت المكتبة بعض المناسبات القومية، ومنها ندوة أُقيمت بمناسبة مرور ثمانمائة سنة على وفاة صلاح الدين الأيوبي.
6- إقامة المعارض الثقافية
قامت المكتبة بإقامة معارض للكتاب، بهدف الجمع بين القارئ والكتاب، وتعزيز العلاقة المباشرة بين الباحث والمصدر، وإحياء روح الاقتناء والاطلاع، بما يخدم رسالة المكتبة العلمية والثقافية.
الخاتمة
إن تاريخ مكتبة الإمام أحمد زروق الأهلية، منذ نشأتها الأولى المرتبطة بالإمام أحمد زروق، مرورًا بمرحلة الضياع والانقطاع، ثم بعثها الحديث على يد الشيخ الدكتور مصطفى عبد الرحيم أبوعجيلة –رحمه الله–، يمثل نموذجًا فريدًا في العناية بالعلم والكتاب وخدمة الباحثين.
وقد أثبتت المكتبة، عبر مسيرتها الطويلة وأنشطتها المتنوعة، أنها ليست مجرد مكان لحفظ الكتب، بل مؤسسة علمية حية، أسهمت في دعم البحث العلمي، وتهيئة البيئة الأكاديمية، وتشجيع القراءة، ورعاية طلبة العلم، والمشاركة في بناء الوعي الثقافي داخل مدينة مصراتة وخارجها.
ولا تزال مكتبة الإمام أحمد زروق الأهلية، بفضل الله ثم بجهود القائمين عليها ومحبي العلم، تواصل رسالتها، محافظة على إرثها العلمي، وساعية إلى تطويره، لتظل منارة معرفية تخدم الأجيال الحاضرة والقادمة.
المراجع والمصادر
- أبوعجيلة، مصطفى عبد الرحيم. (2014). الشيخ أحمد زروق محتسب العلماء ومجدّد القرن العاشر الهجري. مكتبة ابن نصر.
- أبوعجيلة، مصطفى عبد الرحيم. (2001). زاوية الإمام أحمد زروق بمصراتة: ومضات من تاريخ الفكر والثقافة في ليبيا. (ج1، 2). المؤلف.
إعداد وتوثيق:
أمين مكتبة الإمام أحمد زروق
اعتمادًا على مصادر تاريخية ومراجع علمية موثقة. تاريخ الإعداد: 2026م